icon 2

“رغم عظمة الجهود التاريخية في كتابة المصحف، إلا أن علوم الإدراك البصري الحديثة تفتح لنا اليوم آفاقاً جديدة لتحسين تجربة التلاوة بشكل غير مسبوق.”

اتحدث هنا كباحث في الخطوط والأبجديات العربية وكخطاط ومصمم ومخرج فني ذي خبرة كبيرة.

نسعى في هذه المبادرة إلى عرض التحديات الكثيرة التي تتعلق بوجود نسخ قرآنية بالمئات، منها القديم ومنها الحديث، منها المكتوب بخط اليد والآخر القليل المطبوع بالآلة، منها ما هو بخط خاص للناطقين بالأردو في باكستان وأفغانستان وغيرها، ومنها ما هو للمشرق العربي في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، وهناك ما هو مكتوب بالخط المغربي المبسوط. وأصبح لكل دولة مصحفها الخاص، حرصاً منها على التشرّف بطباعة القرآن العظيم.

لو سافر مسلم من باكستان إلى المغرب، فسيجد صعوبة في قراءة المصحف المغربي، ولو اعتادت مسلمة ألمانية حديثة العهد بالإسلام على احدى نسخ المدينة، وأعطيتها مصحفاً من الباكستان، فإنها قد تعجز عن تهجئته. نحن نضرب مثالاً هنا.

فبعض المصاحف آياتها موزعة على عدد ستمائة صفحة تقريباً، وهناك أربعمائة صفحة وثلاثمائة صفحة وثمانمائة صفحة وغير ذلك، أي اختلاف في:

  • موقع الآية في كل مصحف.
  • عدد الصفحات.
  • عدد الأسطر في الصفحة الواحدة.
  • عدد الكلمات في السطر الواحد.
  • سماكة قلم الكاتب.
  • كثافة الكتابة.
  • شكل رسم الكلمة وأنواع الحروف المستخدمة.

اختلافات بصرية كثيرة لكتاب واحد؛ اذهب إلى أي مسجد وابدأ بالتصفح، وستتأكد من ذلك.

أستطيع أن أتفهم أسباب كل ذلك، وهذا أمر سببه طبيعة الحياة وسننها قبل زمن التطور والتواصل الذي نعيش فيه.
أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان الاتفاق على نسخة حديثة واحدة، يجتمع المسلمون من كل العالم عليها، وهذا الاتحاد والاتفاق يصب في مصلحة وحدة المصحف نفسه.

تطور علوم التصميم والجرافيك والتوزيع المساحي المريح نفسياً
شهدت السنوات الماضية تطوراً هائلاً في علوم التصميم والجرافيك، وتوزيع المساحات والكتل بطرق تراعي مبادئ الراحة وسهولة تتبع الآيات بطريقة أكثر سهولة وراحة، تساعد على التمعن والتركيز في المعنى والتدبر.

فالمصحف الحالي يُكتب بالطرق التقليدية القديمة منذ مئات السنين، حيث الاكتظاظ الشديد بالكلمات والأسطر، فإذا أزلت نظرك لوهلة عن المصحف أو نظرت إلى ساعتك، ثم عدت لتكمل، فإنك ستنسى أين وصلت بالقراءة، وستعود من جديد للبدء من رأس الصفحة. هذه الأمور تحدث معي كمسلم مواظب على وردي القرآني اليومي، وقد أجريت أبحاثاً فردية في المساجد، وقد تأكد لي ذلك مع الكل، خصوصاً مع كبار السن والصغار.

لقد كتب القرآن الكريم بهذه الطريقة المزدحمة، حتى يُختصر حجم المصحف بأقل عدد من الصفحات، ليكون التعامل معه أسهل في القراءة والنقل والتداول، وكذلك أقل تكلفة. أما اليوم، فقد زالت هذه الأسباب وأصبح الورق الرقيق ذو الجودة العالية متوفراً، بالإضافة إلى زيادة التوجه الكبير إلى النسخ الإلكترونية في الهواتف وغيرها.

وفي عصرنا الحاضر، ومع التطور الكبير في علوم التصميم البصري، والإدراك المعرفي، وتقنيات تتبع العين، أصبح من الممكن إعادة النظر في “تجربة قراءة المصحف” من زاوية علمية حديثة، تراعي راحة العين، وانسيابية التتبع، وتقليل الحمل الإدراكي، بما يعزز التركيز والتدبر وجودة التلاوة.

نسعى الى  تقديم خيارٍ بصري مدروس، يستند إلى أسس علمية حديثة، يمكن أن يسهم في توحيد تجربة القراءة، وتيسيرها لملايين المسلمين حول العالم، في زمن تتقارب فيه الوسائل وتتوحد فيه المعايير.

لذلك أجد من الضروري أن يُعاد النظر في كل ذلك، لتقديم نسخة موحدة تتميز بالدقة والوضوح والسهولة، التي  ستؤدي إلى جودة القراءة وحسن الفهم والتدبر، وسهولة الحفظ.

وهذا ما نعرضه ونقدمه في هذه المبادرة، وفيها الكثير.
وللتذكير، فإن هذا العمل مبني على نتائج مشروع نهضة الحرف العربي الذي أفردنا له موقعاً آخر، ومحتوى مرئياً تعليمياً على مدى أربع ساعات تقريباً. نسأل الله السداد والقبول.

أنا العبد الفقير، الراجي رحمة ربه،  يوسف اخريس